فلسطين في الذاكرة سجل تبرع أفلام نهب فلسطين إبحث

 بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت

 English Version
الصفحة الأولى  صور  خرائط تاريخ شفوي حق العودة 101 نظرة القمر الصناعي أعضاء الموقع  الصراع للميتدئين إتصل بنا من نحن
كتاب : ومضات من حيفا - مارغاروش- للدكتور ماجد الخمرة
شارك في تعليقك
أرسل لصديق  
العودة إلى حيفا

النسخة الأصلية كتبت في تاريخ 27 تشرين أول، 2007

تــقــديــم

يسهم الدكتور ماجد الخمرة بكتابه هذا في الجهود المباركة لتأثيث الوجدان الفلسطيني بالذكريات الحيفاوية الحيّة. وهو ابن عائلة حيفاوية عريقة حملت ساحة مركزية في المدينة اسمها: "ساحة الخمرة".. الى أن امتدت الى تلك الساحة يد العبث الطاغي فحوّلت الاسم الى "ساحة باريس"!

سمع الدكتور ماجد في البيت كثيراً من الحكايات عن حيفا وأهلها الذين عمِروها وعمِرت بهم قبل النكبة فدوّنها وأخرجها اخراجاً فنياً ممتعاً فإذا بنا نعيش في تلك المدينة التي حُرمت من اهلها الذين بنوها لتكون العروس الجديرة بالكرمل الأشمّ. فقد عصفت النكبة بسكانها العرب الذين بلغ عددهم حوالي سبعين ألفا سنة 1947 ولم يبقَ منهم في تشرين الثاني سنة 1948 سوى أقل من ثلاثة آلاف وثلاثمائة نسمة!

***

عرِفتُ حيفا طفلاً. فيها بدأتُ دراستي المنظمة بعد "الكُتـّاب" في أسدود، - الى حين- بالصف الثاني الابتدائي في مدرسة المعارف ¿ في البناية القائمة على الزاوية بين "شارع الكرمة" و "شارع الجبل" الذي تغيرت اسماؤه على اللافتات المتعاقبة، تلك البناية التي أصبحت اليوم "بيت الكرمة".

كتبتُ ارتساماتي وذكرياتي عن حيفا ذلك العهد في كتابي "ظل الغيمة". سحرتني المدينة. من بيتنا في شارع عباس، كان البحر يصافحني ويطلق النظر الى أفق أزرق بعيد. وعندما أجتاز "ساحة الخمرة" الى السوق الابيض كانت تنفتح عوالم ثرية من الالوان والاصوات والوجوه. كنت اتطلع الى كل شيء بعيني الدهشة والانفعال والفرح.

في ساحة الخمرة موقف واسع ترى فيه الخيول والعربات السوداء اللامعة والنحاس الاصفر البرّاق تنتظر المسافرين الى شوارع بعيدة، خاصة تلك التي تتأفعى على سفح الجبل. وعندما تبدأ الرحلة تنطلق موسيقى وقع الحوافر على الاسفلت والأجراس تنبه العابرين والسياط تفرقع في الهواء.

توطّدت صلتي بحيفا عندما تطوّرت ميولي الأدبية فكنت اسافر اليها من الناصرة قاصداً المكتبات العامرة بالكتب والمجلات القادمة من كل انحاء العالم العربي. ما زلت اذكر هناك في وادي الصليب رجلا قصيرا ضخم الهامة يدير عجلة مطبعة صغيرة، هو نجيب نصار صاحب جريدة "الكرمل".

تتلاحق الذكريات: هذه حيفا ابّان الحرب العالمية الثانية ترتفع في سمائها بالونات بيضاء مستطيلة كجزء من الدفاع ضد الغارات الجوية على المدينة، فقد أغارت عليها الطائرات الايطالية آنذاك مما حفز بعض السكان الى اللجوء الى مدن وقرى بعيدة. وهذه شوارعها ممتلئة بالجنود الاستراليين والسنغاليين وغيرهم، وفيها ¿ ككل ميناء عناوين للبحارة لا تبخل على هؤلاء الجنود.

اقرأ كتاب "سبعون" لميخائيل نعيمة حيث يحدث عن سفرته في مطلع القرن العشرين من بيروت الى حيفا قاصدا الناصرة ليلتحق بدار المعلمين الروسية هناك فاذا بالمواصلات بين حيفا والناصرة آنذاك بالعربات تجرها الخيل وحين تصل الى جيدا (رمات يشاي) تبدَّل الخيول لتستريح ثم تعود مع العربة العائدة من الناصرة. وأقرأ سيرة بولس فرح في كتابه "من العثمانية الى الدولة العبرية" فإذا به بعد حوالي عشرين سنة من رحلة نعيمة يجيء من الناصرة على العربات ذاتها. يقول: "كانت هذه العربيات تحمل ستة من المسافرين، كما أذكر، والسابع يجلس بجانب السائق، ولصغر سني فقد جلست بجانب السائق، ويجر العربة حصانان قويان. ومضت العربة بلا توقف حتى موقع جيدا "رمات يشاي" ومن جيدا تنحدر في اتجاه العبهرية (قريات عمال) وكان صعود الجبل الى العبهرية شاقا وصعبا وغير ممكن فكنّا ننزل من العربة في اول الطلوع، ونتسلق الجبل مشيا على الاقدام ونلتقي بالعربة على قمة العبهرية، ثم نعاود الركوب وننحدر الى حيفا حتى نصل "السعادة" وهو موقع تنفجر منه مياه عذبة وتسمى اليوم (تشيك بوست)..."

أرأيتم كيف كان الناس يتنقلون آنذاك؟

* * *

عندما تحب احدا او شيئا فأنك تريد ان تعرف كل شيء عنه ¿ تريد أن تعرف حكايته، "البعد الخامس" للاشياء. وقد شغفتني حيفا فسعيت دائما الى التعرف الى المزيد عنها. وكم اهتممت بتاريخها الثقافي فهو الذي يتحدّى كل محاولات المحو والتغيير والاغتصاب.

كانت بلدة صغيرة على الشاطئ، في موقع "شكمونا"، ولما جاء ظاهر العمر الزيداني في القرن الثامن عشر رأى ان ذلك الموقع غير حصين فأمر ببناء حيفا الجديدة عام 1758م على بعد ثلاثة كيلومترات من الموقع القديم "في رقعة ضيقة بين الجبل والبحر (من ساحة الخمرة حتى البوابة الشرقية قرب عمود فيصل). أحاط المدينة بسور وثلاثة أبراج، أحدها "برج السلام" حيال مبنى البلدية الحالي".

بعد حوالي مائة سنة، عام 1880، كان سكان حيفا 4550 نسمة. في ذلك العهد جاء الاستيطان الالماني فقد كانت المانيا حليفة العثمانيين حكام بلادنا في ذلك الحين. بعد ذلك جاءت موجات الهجرة اليهودية التي تزايدت اثناء الانتداب البريطاني.

***

سنة 1908، حين صدر الدستور العثماني الذي اتاح بعض نسمات الحرية كانت حيفا سبّاقة في الانتفاع به. ففي تلك السنة، بعد شهور من اعلانه، أصدر نجيب نصار جريدة "الكرمل" وأصدر خليل بيدس مجلة ثقافية سماها "النفائس" ثم اضطر ان يضيف كلمة "العصرية" الى ذلك الاسم.

في ظروف الحرب العالمية الاولى (1914 ¿ 1918) عاد سيف الارهاب يغلق الصحف وطورد نجيب نصار الذي انتقد الحلف بين تركيا والمانيا فاضطر الى التخفي والهرب الى الناصرة حيث اختبأ حينا ثم مضى الى مرج ابن عامر، ومن هناك الى شرق الاردن فدمشق، حيث سلّم نفسه للسلطات وسجن. ودوّن لنا ذلك كله بأسلوب ممتع جدا في كتابه "رواية مفلح الغساني". وعادت "الكرمل" الى الصدور في حيفا حتى سنة 1943 كالسفينة التي تداهمها عواصف هوجاء لكن ربانها عنيد يحسن الصمود رغم ملاحقة الرقابة والظروف المادية العسيرة.

اما "النفائس العصرية" فكانت اول وأهم مجلة ثقافية في فلسطين. اتسع انتشارها الى ما وراء البحار وأعيد طبع بعض اعدادها مرتين. ثم انتقلت الى القدس حيث استمرت في الصدور بضع سنين.

ثم كانت مجلة "النفير" التي انتقلت الى حيفا مع صاحبها ايليا زكّا الذي انشأ ايضا مجلة "حيفا" سنة 1924.

وجاء جميل البحري الذي كتب "تاريخ حيفا" وأصدر مجلة "الزهرة" سنة 1922 وانشأ المكتبة الوطنية في تلك السنة وكتب وترجم المسرحيات العديدة وأشرف على ممثليها، ثم اصدر جريدة "الزهور" سنة 1927.

توالى اصدار الصحف والمجلات العربية في حيفا وقد بلغ عددها منذ 1908 حتى النكبة 31 جريدة ومجلة كما صدرت صحيفتان اثنتان باللغة الانجليزية.

وقد حفلت المدينة بالأندية الثقافية والرياضية ودعي الى المحاضرة فيها عدد من اعلام الفكر في العالم العربي.

في حيفا غنّت ام كلثوم وعرض يوسف وهبي وفرقته ابداعهم في التمثيل. يروي بولس فرح بعض ذكرياته عن الترويح في مطلع عشرينيات القرن الماضي: ".. أذكر كان من أبرز متنزهاتها "بستان الانشراح".. وكان يحتوي على ما يلهي المرء من متاعب الحياة وكان موقعه في ما يسمى اليوم "المركز الجديد" ويشقه في الطول "شارع البنوك". وكان البستان ممتد من شارع النبي في اعلاه الى شارع يافا في اسفله وعرضه بحجم طوله... وفيه سمعت غناء منيرة المهدية ورأيت تمثيل يوسف وهبة وفرقة عكاشة الهزلية وغيرها من الفرق التمثيلية والفكاهية العربية".

وما زالت بعض شوارع حيفا تحمل اسماء من التراث الثقافي العربي مما لم تمسه بعد يد المحو والتغيير فهناك شوارع: المتنبي والحريري وابن المقفع وابن سينا وغيرها. اما الفضل في ذلك فيعود الى الشاعر مؤيد ابراهيم الذي كان موظفا كبيرا في البلدية ايام الانتداب واستطاع ان يحقق ذلك. وقد اصدر مؤيد ابراهيم، في الثلاثينيات ديوانا شعريا ومسرحية شعرية غنائية سماها "مجنون ليلى" وظل ينشر شعره في الصحف والمجلات بعد النكبة.

ومن أبرز الوجوه الادبية في سماء حيفا الشاعر عبد الكريم الكرمي ¿ ابو سلمى وقد ضفر من الغزل والشعر الوطني جديلة مبدعة. اشتهرت في حينه قصيدته التي وجهها الى ملوك العرب حينما تدخلوا ليوقفوا الثورة سنة 1936 ومطلعها:

أنشر على لهب القصيد شكوى العبيد الى العبيد

وقد نشر على حبالها ملوك العرب واحدا واحدا، عرّاهم ومزّق اقنعتهم وختم القصيدة متوجهاً الى الشعوب العربية

أيهِ شعوبَ العُربِ أنتم مصدرُ الأملِ الوطيدِ

داعيا الى تحرير الوطن من هؤلاء "العبيد":

بل حرروه من الملوكِ وحرروه من العبيدِ

نشر ابو سلمى قصائده هنا في الصحف والمجلات ولم يصدر مجموعاته الشعرية الا حينما أصبح لاجئاً فكانت المجموعة الاولى بعنوان "المشرّد".

ومن الأعلام الثقافية التي عرفتها حيفا كان الشاعر وديع البستاني ومن آثاره الكثيرة كان ديوانه "الفلسطينيات". أما بيته الذي بناه على الشاطئ على شكل سفينة فسجله باسم الطائفة المارونية قبل ان يغادر الى لبنان في مطلع الخمسينيات وقد رأيته آنذاك في مكتب جريدة "الاتحاد".

وفي حيفا لمع مبكرا اسم الشاعر حسن البحيري الذي طلع على الناس في الأربعينيات بديوانه "الأصائل والأسحار"، تلاه "ارواح الربيع" و "ابتسام الضحى". وتحتل حيفا ووصف جمالها، خاصة في الليل، موقعا خاصا في شعره.

تتوالى الذكريات والصور والأسماء.. "النادي الارثوذكسي" وحنا نقارة، "نادي أنصار الفضيلة" مقهى المتروبول وعدد من المثقفين يسهرون فيه وأفلام شهدتها هناك وآخرها "عنتر وعبلة" في سينما "الأمين" ومشهد يتناجى فيه عنتر وعبلة وفي الطرف الآخر شيبوب رفيق عنتر يناجي جارية عبلة يريد ان يعقد معها مشاركة، اي مشاركة لتكون فاتحة صلة فيقول لها:

يا ريتني أقلع لك عين

وانتي تقلعي لي عين

ونعيش عور احنا الاثنين!!

شكرا للدكتور ماجد الذي استثار هذه الذكريات عن عهد حبيب في بلدة حبيبة وآمل ان تصل رسالته الى الاجيال الجديدة التالية لتقوّي أواصر المحبة لهذه المدينة التي تأبى ان تفقد الذاكرة.

- حنا أبو حنا -

مــقــدمـة

أحيانا يكتفي الانسان بمآسيه المنتهية وغير المنتهية، وأحيانا اخرى يطلب المزيد منها وكأنه يريد التلذذ والاستمتاع بها، ظاناً أنه عن طريق المازوخية يستطيع أن يبرر كيانه ووجوده في هذا العالم. لربما هذا الأمر كان سيجدي نفعاً على الصعيد الشخصي أو في اطار مراجعة الأطباء في عيادات الأخصائيين النفسيين، لكن الأمور تسير في غير هذا المسار وربما عكسه تماماً. فنكبة شعبنا العربي الفلسطيني تأبى التعذيب الذاتي وترفض التمتع بذاتها، لأنها لم تلد نفسها ولم يخطر ببال كافة الشعوب أن تحل بهم الويلات والنكبات كما لم يتمنَّ ولم يدعُ لنفسه الشعب العربي الفلسطيني تلك النكبة ليكون فيما بعد »ضحية الضحية«.

هذه الضحية المنكوبة لها كامل الحق في كتابة تاريخها، وإذا لم تفعل ذلك، فهي ستجرم بحق شعبها وبحق روايتها. ولن يقتصر واجبها على كتابة آلامها فقط، بل عليها أن تُفيض في رواية حياتها اليومية وقصصها الشعبية لتعيد انتاج ذاتها. فنحن نتحدث كثيراً عن ذاكرتنا الفردية والجماعية، لكننا لم نصل بعد الى درجة، إعادة صياغتها، لأن النكبة لم تنته. فنحن ما زلنا نعيش في داخل عالمنا النكبوي كما نعيش في كينونتنا الحالية، حيث يتداخل الماضي في الحاضر، والموجود في المنشود، والواقع في الخيال.

في هذه النصوص، التي لا نستطيع تحديد هويتها وانتمائها الأدبي او اسلوبها حاولنا حصر الذاكرة في مدينة حيفا. هذه المدينة التي نُكِب اهلها في نيسان من ذلك العام لا يمكن إلا أن تكون نموذجا خاصا وعاما لكل ملابسات القضية. » فعامها « هو النكبة بعينها و »خاصها « يشمل كل تاريخ هذه المدينة حتى العام 1948. وينطبق عليها مجمل النقاش حول الروايتين: الصهيونية والفلسطينية. ولكونها مدينة تضم ممثلي الروايتين يزداد الأمر تعقيداً، حيث تصبح المعادلة بين أطراف غير متكافئة، بين القوي المنتشي بنصره وبين المستضعف، الضائع والهش. ففي ظل اللاتكافؤ هذا رأينا من المناسب كسر ما هو مألوف والخروج قليلا عن البكاء لكي نركز على ما هو جوهري محاولين بذلك التصدي للرواية الموازية للتاريخ ذاته، بل أحيانا للأسماء والمواقع ذاتها.

أردنا من خلال هذه النصوص التأكيد على ثلاثة أمور ¿ علماً ان القارئ له كامل الحرية في تثبيت هذه الرغبة او هذا التأكيد او دحضهما ¿ اولا: محاولة إعادة صياغة الذاكرة والتذكير والتذكر، ثانيا: إعطاء جيل النكبة حقه من التاريخ، هذا الجيل الذي ما زال يعيش نكبته يوميا في داخل مدينته المختلطة، محتاراً بين حضوره وغيابه حسب القانون الإسرائيلي، ثالثا: دعوة الأجيال القادمة لأخذ دورها قدر المستطاع بعدما تذوّت الرواية وتستنطق من يحمل هذه الذاكرة. فالأجيال القادمة لها الحق في مساءلتنا والإلحاح في ذلك كما كنا نريد ان نثقل كاهل جيلنا الفائت بالتساؤلات.

أضع امام القارئ العربي في كل مكان وفي كل زمان نصوصاً ربما لن تجذب البعض، لكني متأكد انها ستؤلم البعض وتدخل ذات ذاته حتى النخاع وخاصة اذا كان ينتمي بهذا الشكل او ذاك لمدينة حيفا.

لقد نشرت هذه النصوص من حيث التتابع الزمني منذ العام 1995 وتحديداً في شهر نيسان، حيث حرصنا أن تصدر هذه المقالات في هذا الشهر، لأنه شهر نكبة هذا البلد. وكانت صحيفة »الاتحاد« »الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الاسرائيلي« التي تصدر في حيفا هي السباقة في هذا النشر تعاملاً مع اهدافها منذ صدورها في العام 1944 وفي حيفا. ولا يسعني هنا الا ان اردد كلمات طيب الذكر الكاتب الكبير اميل حبيبي معتزاً بصحيفته ومكان صدورها حيث قال »كون الاتحاد تصدر في حيفا فهي حيفاوية بكل معنى الكلمة«. وفيما بعد تم نشر آخر ثلاثة نصوص في مجلة »مشارف« المشرفة التي اصدرها اميل حبيبي لتتابع اصدارها الشاعرة سهام داهود.

مهما يكن من أمر هذه النصوص فنحن نعتقد بأنها ستبقى في إطار محاولة حكّ الذاكرة وتسليط الأضواء على جوانب لم تأخذ حقها من الكتابة الفلسطينية والعربية.

اعتقد أننا دخلنا مرحلة كتابة النكبة ذاتها وليس عنها او ما يدور من حولها.

خواطر مكانيّة لخواطر زمانيّة

في نهاية النصف الثاني من شهر نيسان عام 1948، سقطت حيفا، عروس الكرمل، التي طالما تغنّى بها الشعراء والكتّاب، وما كان لعربها إلا الرحيل مهرولين الى ابواب الميناء فزعا من أهوال المجازر التي وصلت اخبارها الى السكان، عن دير ياسين والطنطورة وغيرهما، ذلك غير القنابل التي كانت تُقذف من حي "الهدار" العالي على الحي العربي في دونه الأسفل، على حارة الكنائس. فقد قام رجال من "الهاجاناة" بدحرجة برميل من ساحة البرج الى ساحة الكنائس عبر شارع "ستانتون" ، وقاموا بعمل مشابه في وادي النسناس ، وآخر.. وضعوا قنبلة ناسفة في سيارة عبد القادر الحاج، وهو موظف كبير في بلدية حيفا آنذاك، فانفجرت به وأردته قتيلاً قرب مرآب (كراج) "أبي شامي"، ومثل هذه الأعمال ما لا يُعد ولا يُحصى.

بقي القليل من العائلات الحيفاوية العريقة في حيفا ورحل الكثير من شهود العيان. لكن الحقيقة لم ترحل. والذاكرة تأبى أن تمحى. فهي تنتقل من الجد الى الأب الى الحفيد. وها نحن ¿ ابناء الجيل الثاني بعد النكبة ¿ نستذكر وندوّن كي لا يضيع الحق التاريخي. وللتاريخ قيمة غالية، علينا الحفاظ عليها ونقلها من جيل الى جيل.

هنالك في الجانب اليهودي ¿ ابناء الجيل الثاني ¿ شيء يدعى "صدمة الكارثة" بعد الكارثة التي حلّت بالشعب اليهودي، حيث نقل الآباء، الذين عايشوا وذاقوا صنوف التعذيب في معسكرات الإبادة والتشرّد، الصورة لأبنائهم. وما كان على الأبناء إلا أن يرثوا الصدمة، صدمة الرعب وتوجّس الفزع من الآتي والخوف من الآخرين وغيره. وقد وصل الأمر ببعض هؤلاء الى درجة عدم الجرأة على زيارة تلك الأماكن في اوروبا.

أما نحن، فقد ورثنا عن آبائنا صدمة المكان، إذ قال جدّي، لأمي، لأولاده وزوجته وهم في عكا، حيث كانت المحطة الأولى من الرحيل: ".. ان ابقوا!!".

وما زلت ألوم الآباء والأجداد على ذلك. لكن التاريخ علّمنا ان الهجمة والمؤامرة الثلاثية كانت اقوى من أن يأمر أب ابنه.. وقد قيل لنا أنه، آنذاك، قام رئيس بلدية حيفا، شبتاي ليفي، بجولة في الأحياء العربية للمدينة بحثّ السكان، عبر مكبرات الصوت: ".. ان ابقوا". لست مؤرخا مختصا لأتقصّى مدى صحة هذا الأمر، إلا أنه سمعنا، مؤخراً، بوجود حاسوب يستطيع استرجاع كلمات رددت في الهواء حتى قبل 2000 عام. فبدأنا بجمع الأموال لذلك! واستناداً الى كلمة "ان ابقوا" كلمة الجد لأبنائه، و "ان ابقوا" لشبتاي ليفي، لا يسعنا إلا ان نجتر كلمة "لو" او "يا ريت" تعبيرا عن حلم جميل كان له أن يتحقق فيما لو بقوا.

فصدمة المكان هذه ترافقنا أينما ذهبنا. نغيب ونصول ونجول في أصقاع العالم ونرجع الى حيفانا، والى وادي نسناسنا، ذي الشهرة العالمية. فهو حي كانت له مكانته المرموقة ثقافيا وسياسيا، حيّ أنجب العديد من الأدباء والمفكرين كالبحيري ونجيب نصار وغيرهم، حيّ أقيمت فيه المؤتمرات كمؤتمر العمال العرب، وصدرت فيه الصحف، كصحيفة "الاتحاد" الناطقة بلسان مؤتمر العمال العرب، ثم عصبة التحرر الوطني آنذاك. وإذا كنا نحن ¿ أبناء هذا الجيل ¿ نتحسّر ونعضّ على شفاهنا غضباً فكم بالحريّ أبناء ذلك الجيل؟.. ولكن نعم سنبقى..

يقول لنا أبناء عمنا في حيفا: ها نحن قد غيّرنا البلدة التحتا من مكان مقفر ومظلم الى مكان يعجّ بالناس، والآن سنحوّل حارة الكنائس الى مكاتب حكومية وتشغيلية وتجارية وغيره. أهلاً بكم وبحضارتكم. فالمكان كان يعجَ بناسه وكانت ساحة الخمرة مثالاً لساحات المدينة، حيث الأشجار والعربات التي تشدها الخيول تنتظر الركّاب لإيصالهم الى حي الألمانية او الموارس او الى الكرمل، الى دار شوماخر في شارع الصنوبر "شدروت هنسي" . وكان على أعتاب شارع "ستانتون" الذي اصبح "شيفات تسيون" (اي العودة الى صهيون) قبالة موقع الزحلان، بئر للمياه تدعى "الزحاليق" لكثرة ما تزحلق الناس في ذلك الزمان وذلك المكان. كان هذا المكان ينبض بالحياة والأسرار والنهفات والنكات والضحكات والآلام وشظف العيش، كما كان مثالاً للتآخي الإسلامي ¿ المسيحي.

كان في ذلك المكان والزمان أناس يعملون، كانت حياة جارية بكل معنى الكلمة، وليس كما قالوا: "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب". ولطالما تعيد والدتي ¿ مدّ الله في عمرها ¿ كلماتها "سقى الله أيام العرب" وتقصد أيام ما قبل عام 1948. وتقول أيضا: "كنا نلعب ونلهو قرب دار عائلة مسمار حيث ولدت هناك على تخوم وادي الصليب وحارة الكنائس، الى أن جاءنا يهودي ابن عرب وقال لنا: ما لكم تلعبون وتلهون. فليكن ذلك ولكن، إعلموا اننا نتأهّب ونشتري الأسلحة، ويوماً ما، كل هذا سيصبح لنا". وتتابع والدتي وتقول: "لم ندرك كنه ذلك."

يقولون لنا: وما هي جذوركم في حيفا، فكلكم مهاجر من القرى المجاورة..؟ فإليكم التاريخ. كان جد جدّي لأبي، عبدالله الحاج، ميسور الحال ومالكا للأراضي في كفر لام (موشاف هبونيم)، قابعاً في حيفاه متزوجا ثلاث او أربع نساء حسب شريعة محمد (ص)، حيث أنجبن له العديد من البنين والبنات كان من بينهم عبد الرحمن الحاج، رئيس بلدية حيفا في سنوات العشرين، لم تر بلدية حيفا من المناسب تخليد ذكراه حتى العام 1998. وما زال منزله قائماً في شارع البرج "معاليه هشحرور" (تلة التحرير) اما مبنى البلدية فكان قائما عند مفترق شارع "ألنبي" (على اسم القائد البريطاني الذي "حرر" فلسطين من الاتراك) و "ستانتون".

اعلم أنه لا جدوى من الوقوف على الأطلال والبكاء، لكن رفقا بالذاكرة، إذ كيف سينسى آباؤنا احداث الـ 48 في حيفا؟ كيف لا يذكرون امرأة حملت الوسادة بدلاً من طفلها اثناء الهلع والخوف؟ ومراد عبدالله الذي أبقى "البريموس" مشتعلاً لشرب فنجان القهوة العصملية . ومحمد عيد الصغير، الذي أخذ مفاتيح بيته للعودة السريعة، كما فعل شاعرنا الكبير ابو سلمى من بيته في حي الألمانية. وهاكم جدّتي لأمي، تسلم الكوشان لأختها في السيارة وهما في المنفى في لبنان، ظانة أنه، بعد اسبوعين، ستلتقيان في داريهما، فراح الكوشان وبقي المكان. وهاكم جدي يدخل بيته بعد هدوء العاصفة فيجد حاخامين ليقولا له: "إذهب من هنا، ولا حق لك في أخذ شيء." وبعد إلحاح سمحا له بلملمة شهادات ميلاد أولاده لتبقى للتاريخ.

لقد أكثرت من التجوال في حيفا القديمة برفقة جدي لأمي، وحفظت ¿ عن ظهر قلب ¿ الكثير من المباني التي كانت تابعة للعائلات الحيفاوية، بيد أن جدي، ولشدّة تعصبه لحيفاه، لم يكتف بذلك، بل كان يشدد على معرفة منبع العائلة، أحيفاويّ هو أم من القرى المجاورة. فكان يشير: تلك مدرسة السباعي، والمدرسة الإسلامية، وتلك مقبرة الاستقلال، التي كانت ملكا لآل القط. وتلك عمارة آل عابدي في شارع "ستانتون" وأخرى في شارع "سيركن". وها هي دار نفاع، كيّلو، رنّو، بكير (من أصل طيراوي)، وها هو جامع الحاج عبدالله (أبو) يونس، يطل شامخاً من الحليصة. وها هي السرايا، مقر القائمقام. وها هي أملاك دار الخمرة - الصغير في درج الأنبياء، والجدع والدحبور وتوما وطوبي والقلعاوي والزعبلاوي و (أبو) زيد وخوري وصهيون وكوسا. فحفظنا الأسماء عن ظهر قلب. حتى إن ابنتي بدأت الدخول في دوامة المكان لتحفظ في ذاكرتها ¿ قدر المستطاع ¿ ولو جزءاً من التاريخ.. ومأساته.

وهل حدثكم ابن ابناء جيله، كاتبنا الكبير، اميل حبيبي، في متشائله وسعيد نحسه عن طرفة جدي لأمي؟ فقد كانت أيام ثورة الـ 36، وجدّي يحدثنا عن نجاته من محاولة قتله عندما اشتبه فيه الثوار بأنه يتعاون مع البريطانيين، حيث كان يبيع لهم الخيول. وكان هنالك أمر يمنع بيع أي شيء للجيش البريطاني. فسألناه: ولماذا كنت تفعل ذلك؟ فقال إنه كان يبيع الخيول "الكديش" اي (التعبانة)، فكانوا يسقونها النبيذ مع الماء حتى تثمل وتصبح مطيعة فيقتنيها الإنكليز. أو كانوا يقصون من أسنان الحصان حتى يبدو صغيرا، لأن الإنكليز كانوا يشترون الخيول الشابة فقط. فجاء الثوار، بقيادة شخص يدعى العسكري (قضى أيامه الأخيرة ¿ في سنوات السبعين ¿ في مقام الخضر (أبو العباس)، واقتادو جدّي لرميه في البئر عقاباً "لتعاونه" مع الانجليز، لكنه نجا بفضل قريب له كان من ثوار العام 1936 الذي تشفع له باسم الخضر وباسم "ستنا مريم".

وكان لهذا الجد صديق يهودي يدعى حاييم شميدوف، أصرّ على ان أحداث الـ 48 تدعى استقلالاً، أما جدّي ¿ وبفطرته ¿ رفض هذه التسمية، وبدلاً من أن يسميها احتلالاً سماها "استحلالاً" على وزن استقلال!! وما زالت والدتي تردد هذا المصطلح!

فالمكان هو حيفا بأزمنتها العثمانية والبريطانية والإسرائيلية، بأحيائها: حارة الكنائس، والوادي، وساحة الخمرة، وساحة البرج، والسعادة، وعمارة صائب سلام، والقشلة، والموارس، وبوابة الدير، والخضر (أبو) العباس، ونزلة الكلداوي، ووادي الصليب، والحليصة، وبحر (أبو) نصّور، وحارة الشوافنة، وكنيسة الروم، والجامع الكبير، وسوق الشوام، وغيرها من المواقع مما تبدّلت اسماؤها لكن المكان هو المكان نفسه..

.. فابقوا!!

اُنـطـق أيـهـا الحجر

في الاسبوع الأول من شهر تشرين الأول من العام 1995، أقيم معرض في مبنى "الشيكم الجديد" تحت عنوان "آثار سكانية" للفنانة ايلانة اورتار- سلامة وكان موضوع المعرض بيت عائلة الخوري الذي بنيت على انقاضه بناية شاهقة زجاجية سوداء، تجمع بين التجارة